دور المرونة في عملية التعليم


1 قراءة دقيقة

حينما تحبس عصفوراً في قفص قد لا يردد ألحانه مطلقا، أو قد يتأقلم تدريجياً مع المكان الجديد ليبدأ بالتغريد مرة أخرى، هذه العملية التي يمر فيها أي إنسان عندما تختلف طبيعة الحياة و ظروفها عليه، أو حين ينتقل من مكان لآخر فيتوقف عن ممارسة بعض الأنشطة المعتادة، أو قد يكره العيش و الحياة معاً ليعزل نفسه عن المجتمع و البيئة الجديدة حوله.

يعد التأقلم مع الأمور الحياتية مهارة تمكن أصحابها من العيش بصورة جيدة مهما اختلفت ظروف و طبيعة الحياة التي يمرون بها، و لكنها تتفاوت من إنسان لآخر بمقدار المرونة التي تتسم بها نفسياتهم و عقولهم، كذلك الطلاب الذين لا يستوون في معيار المرونة فتختلف ممارساتهم داخل المدرسة أو الجامعة و خارجها، تلك البيئة الجديدة عليهم و التي تتطلب منهم تغييراً في العديد من السلوكيات و الأنشطة الممارسة يومياً، و لمساعدتهم على التأقلم في هذه البيئة الجديدة علينا أن نعي جيدا ما هي المرونة بالضبط، و كيفية إكسابهم بعض المهارات الحياتية المتعلقة بها، حتى يتمكنوا من التأقلم و مواجهة التحديات و الظروف التي يمرون بها.


يختلف مفهوم المرونة من علم لآخر، فمنها ما يدخل الاقتصاد و آخر الرياضة و علوم أخرى تتطلب المرونة بمفهومها العام و لها وجه خاص تتناوله من زاويتها حسب ما تحتاج، ولكننا ننظر إليها من زاوية العلاقة بالنفس البشرية و العقل الذي يحتاج الإنسان لهما عند تكيفه مع الظروف المختلفة، لذلك نعرف المرونة على أنها " الاستجابة الانفعالية والعقلية التي تمكن الإنسان من التكيف الإيجابي مع مواقف الحياة المختلفة ".

و من هذه الزاوية نشير إلى أن مفهوم المرونة قد يختلف عند الكثير من الأشخاص ما بين التيسير بالمطلق الذي يدعوا لإضعاف الثقة بالنفس، و منها ما يتوسط الأمور و لأن خير الأمور أوسطها فلا بد للإنسان أن يكون متوسطاً معتدلاً في شتى تعاملاته و طرق تفكيره، فالحكمة تقول " لا تكن صلباً فتكسر ... ولا تكن ليناً فتعصر ".

تنقسم المرونة إلى أقسام عدة نستحضر منها هنا ما قد خصصنا هذه المقالة له من أجل حصر الأمر في كيفية إكساب الطلاب المرونة اللازمة لتتأقلم، إذ تعتبر المرونة النفسية إحدى أهم العلوم و التي تشكل فرعاً واسعا من علم النفس، بالإضافة إلى المرونة العقلية و الذهنية و التي تدرس كيفية إدارة اتخاذ القرار بالشكل السليم .

المرونة النفسية : 

"هي القدرة على مواجهة الشدائد والصدمات والتهديدات والأحداث الضاغطة مع اكتساب الخبرة التي تمكن الأفراد من تجاوزها و العودة للوضع الطبيعي "

و من أهم الميزات التي نستطيع أن نعددها لذوي المرونة :

1 _ التعلم من الأخطاء و تقبل النقد : حيث أنهم يتقبلون الانتقاد من غيرهم بصدر رحب، للتحسين من متسوى أدائهم ، و يتجاوزون الأخطاء بالاستفادة منها و اعتبارها دروساً يتعلمون من خلال ما يجب عليهم فعله في المرات القادمة.

2 _ حس الدعابة و روح المرح : إذ يستطيعون نشر السعادة و الفرح في محيطهم و الاستشعار به ما يؤدي إلى خلق شعو ر إيجابي لديهم.

3 _ الاستقلال : حيث تمتاز قراراتهم بالاستقلالية و عدم التبعية و التؤثر السلبي من آراء الآخرين، فهم يتكيفون مع محيطهم بما يرونه مناسباً و يتخذون قراراتهم بعد التفكير العميق بها من جميع الجوانب.

4 _بناء الصداقات : يتمتعون بقدرة تجعلهم على بناء علاقات صداقة و معارف وثيقة بالآخرين، فهم يمتلكون القدرة على التواصل و الخطاب بالشكل الذي يؤهلهم لذلك,

5 _ التسامح : يعتبر الأشخاص الذين يتسمون بالمرونة من أكثر الشخصيات تسامحاً و عفواً عن الآخرين، حيث أن الهدف الأساسي لهم يكمن في أن تسير الحياة بالشكل البسيط الذي يجعلهم يتمتعون بها دون التزمت و المكابرة، فهم يتقبلون الاعتذار من الآخرين للحفاظ على استمرارية العلاقات و مستقبلها.

كثيراً ما يتعرض الطلاب في مجتمعاتنا للصدمات النفسية، و التي تبدأ مراحلها المبكرة في البيوت ثم الشارع و المدراس و شتى الأماكن التي قد يذهبوا إليها، فالأسرة المفككة و التي تواجه مشكلات يومية تؤثر بالسلب على الأطفال في ممارساتهم، و ما قد يواجهه الأطفال في الشوارع من صدامات مع غيرهم تلعب دوراً بارزاً في سلوكهم، بالإضافة إلى المدارس و ما قد يعانوه من حالات التنمر أو المرور بظروف شخصية مع أحد المدرسين، تلك نماذج و أمثلة يندرج تحتها مواقف لا حصر لها يواجهها الطلاب بشكل دائم فكيف يتعاملون معها ؟

إذا ما تم مواجهة المشاكل و الصعاب التي يتعرض لها الطلاب بالإهمال دون النظر إلى الآثار التي قد تنعكس عليهم، فإننا نهمل جانباً أساسياً من جوانب صقل الشخصية التي يجب أن تكون منضبطة و تستطيع مواجهة ما يقابلها من أمور في معترك الحياة، ليس المطلوب هنا هو إنهاء القضية أو المشكلة بالأمر الذي يرضي الطالب دون أي دور يذكر له ما يغرس في نفسه الاتكالية بدل أن يكون مبادراً لحل مشاكله بنفسه، لذا وجب علينا تعويد الطلاب على مواجهة مشاكلهم بأنفسهم و إكسابهم مهارات المرونة النفسية من خلال عدة طرق :

1 _ تكوين الصداقات و المعارف : يعتبر تكوين الصداقات من الأمور البديهية في حياة الإنسان فهو بطبعه كائن اجتماعي يحتاج إلى التواصل و التعرف على الآخرين و تبادل الاهتمامات معهم، فهنا يمكن دور الأسرة في مصادقة الأبناء داخل البيت، بالإضافة إلى المدرسين الذين وجب عليهم التعامل مع الطلاب من خلال النزول إلى مستواهم و مصادقتهم، بل و تثبيت الأمر لديهم و تشجيعهم على تكوين صداقات مع زملائهم في الفصل، من خلال مجموعات ينشئها المدرس لإقامة نشاطات مدرسية أو غير ذلك.

2 _ غرس مبدأ الثبات : تتعدد أنواع المشكلات التي قد يمر بها الإنسان فمنها ما هو متتابع و منها ما هو منفصل، لذلك وجب تعليمهم التفريق بين هذه و تلك و أنه مهما بلغ حجم المشكلة لا بد من الثبات و مواجهتها بصلابة، فالأمور التي قد ننظر لها بسلبية و على أنها مشاكل كبيرة اليوم قد تكون أموراً مضحكة نعود لنستذكرها بشيء من الاستهزاء فيما مضى.

3 _ التغيير سنة حياتية : إن هذا المبدأ ثابت إذا لا يمكن السير بخط مستقيم في الحياة بشكل عام، فلا بد من التوضيح للطلاب بأن التغيير سنة من سنن الحياة الطبيعية و من الطبيعي التنقل و اختلاف البيئات عدة مرات في الحياة، لذلك قد يفقد الانسان بعض الأمور التي اعتادها فوجب عليه التكيف مع فقدها و محاولة امتلاك أشياء أو مهارات جديدة يستطيع من خلالها التأقلم في البيئة الحالية.

4 _ تحديد الأهداف : من يسير في خطى الحياة بلا أهداف واضحة لا يستطيع التمييز بين ما أنجزه و حقق نجاحاً به او فشل في تحقيقه، لذلك وجب تعويدهم على وضع أهداف قصيرة المدى في حياتهم و بعيدة أيضاً، يكون تحقيقها هو معيار النجاح بالنسبة لهم و اعتبار أن الفشل هو درس لما يليه من أهداف.

5 _ محاولة اكتشاف الذات : كثر هم المبدعون الذين جعلوا من أزماتهم نقطة انطلاق لبدء حياة جديدة استطاعوا توظيف مهاراتهم للخروج منها، فمن الكتاب من جعل مأساته رواية يصوغها لتحقق انتشاراً و نجاحاً كبيراً و منهم من عبر بالرسم فبرزت موهبته و تحولت النقمة إلى نعمة.

المرونة العقلية : 

" وهي قدرة العقل البشري على إعادة تشكيل نفسه، عبر تكوين وصلات عصبية جديدة خلال فترة الحياة ".

هذه المرونة التي تسمح للدماغ بتكوين مسارات و روابط جديدة للتأقلم مع الأوضاع التي تطرأ حديثاً أو التغيرات في البيئة التي يواجهها الفرد ما يكنه من اتخاذا القرار المناسب، فالعقل البشري بطبيعة الحال متغير حسب العادات و التقاليد التي يمارسها الشخص، لذلك فإن تغيير الممارسات و الأنشطة السلبية إلى أخرى إيجابية، تزيد من المرونة العقلية و من المقدرة على تغيير أسلوب و طرق التفكير نحو الأفضل، و من هذا المنطلق لنا أن نلحظ وجوب تعليم الطلاب أنشطة تناسب أعمارهم تنمي لديهم المرونة العقلية، بالإضافة إلى إبعادهم عن أي ممارسات سلبية قد تخلق تفكيراً سيئاً لا يعود عليهم سوى بالخسران.

المرونة العقلية تنقسم إلى قسمين :

1 _ المرونة التلقائية : وهي قدرة الأفراد على التنقل بين الأفكار لمواجهة مشكلة ما بشكل تلقائي دون حصر التفكير بإطار معين.

و تلك إحدى السمات التي يمتاز بها الأشخاص ذوي المرونة إذ يستطيعون التنقل بسرعة و تلقائية بين الأفكار و إنتاج آراء أو أفكار أو أجوبة جديدة لذات المشكلة.

2 _ المرونة التكيفية : و هي قدرة الأفراد على تغيير طريقة التفكير في مواجهة المشكلات و حلها، حيث يتسنى لهم ذلك في الخروج من قوالب و أطر التفكير التقليدي و الابتعاد عن التصلب العقلي لإنتاج حلول و إجابات مبتكرة، إذ يستطيع الفرد تغيير الرؤى و التوجهات في سبيل الخروج بحلول سريعة و تفقد المشكلة عقدتها و تسوقها نحو الحل.

لقد مررنا على التعريفات المتعددة لندرك معنى المرونة و لنتعرف على مميزات الأشخاص الذين يتسمون بها، بالإضافة لبعض المعلومات العامة التي تحقق عوامل المرونة النفسية تدريجياً لدى الطلاب، و لكن لنتعمق أكثر في هذا المجال نسرد بعض الأمور المحددة التي تساهم في زيادة المرونة لدى الطلاب، من أجل مساعدتهم على التأقلم في المحيط و البيئة التعليمية، فهناك الكثير من الأنشطة التي يستطيع المدرس ممارستها داخل الفصل لإكساب الطلاب مهارات في هذا الإطار منها :

1_ استخدام القلم في شيء آخر غير الكتابة : تلك وسيلة يستطيع الطلاب من خلالها الخروج عن المفهوم التقليدي للقلم، و محاولة إضافة استعمالات أخرى مفيدة إذ يصبح النظر للأمر من أكثر من زاوية.

2 _ الكتابة بواسطة شيء غير القلم : تساعد الطالب في إعمال التفكير بما يحيطه من أدوات ليستغلها في ممارسة الهدف.

3 _ البحث عن حلول لمشاكل معينة و النقاش فيها بما يخدم توسيع الأفق لدى الطلاب و يساعدهم ذلك في إسقاط أسلوب التفكير على المشاكل الشخصية التي يواجهونها.

4 _ إيجاد أكثر من وظيفة لشيء معين فذلك يساهم في مساعدة الطالب على التفكر فيما حوله و إيجاد وظيفتين أو أكثر لذات الشيء المستخدم.

5 _ الألغاز الرياضية و هي وسيلة مميزة لحث العقل على التفكير في وسائل متعددة تمكنه من حل المسألة .

و بينما نذكر دور المدرس لا شك بأن على الأسرة يقع دور كبير لتنمية مهارات المرونة لدى أبنائهم منذ الصغر، فتلك العوامل إن رافقت الطلاب في مصغرهم يصبح تكيفهم في البيئات المختلفة أسهل، بحيث يستطيعون ممارسة حياتهم بالشكل الطبيعي دون اللجوء إلى معين في كل مسألة يحتاجونها، و لن يصبح ذلك واقعاً سوى من خلال تعليمهم مهارات حياتية تخدم هذا الجانب نذكر منها :

1 _ اتخاذ القرارات و حل المشكلات : إن الأطفال و من مصغرهم يجب أن يعتادوا على مواجهة المشاكل بأنفسهم فليس من الصواب أن يقوم الأهل بالبحث سريعا عن الحلول و وضعها لأبنائهم، بما لا يجعلهم يفكرون في المشكلة أو يتخذون قراراً واحدا، و مثال ذلك أن يواجه الطفل مشكلة في تركيب لعبته الجديدة فعلينا أن نبقيه يحاول و يقلب الأفكار و يستخدم عدة و سائل، ثم نساعده بشيء بسيط دون إعطاءه الحل كاملاً ما يشعره بأن هذا الأمر من إنجازه.

2 _ إدراك مشاعر الآخرين : يجب على الأهل تعليم أبنائهم فهم المقاصد من المشاعر و من تلك النظرات التي توحي بالفرح و السرور أو الغضب، و تعريفهم بما تعنيه هذه الأمور حتى يتمكنوا من إدراك ما يشعر به من يقابلهم أو يحادثهم.

3 _ التفكير الإبداعي : من الواجب الحفاظ على الارتقاء بمستوى العقل لدى الأطفال و إخراجهم من وسائل التفكير المألوف و الاعتيادي، ليفكروا خارج الصندوق ما يشعرهم بالتميز نتيجة المجهود الذي بذلوه للخرج بفكرة رائعة.

4 _ إدارة الانفعالات : إن هذه المهارة يجب غرسها في الأطفال منذ الصغر فلا بد لهم أن يكونوا متزنين في مشاعر الفرح أو الحزن، حتى لا يكونوا عرضة للاستهزاء بهم من قبل الآخرين مستقبلاً، فمن الأطفال من يبكي عند حدوث مشكلة بسيطة، فالواجب تعويده على ضبط انفعالاته حتى لا يفقد الثقة بنفسه نتيجة تكرار الأمر أمام الآخرين.

5 _ التواصل مع الآخرين : يجب أن يشرح الأهالي الوسائل و الطرق المناسبة التي يستخدمونها للتواصل مع الآخرين سواء كانوا غرباء أو من المعارف السابقة، بالإضافة إلى تعريفهم بما يلزم للحفاظ على تواصل متزن من خلال النقاش الهادئ و فتح مواضيع تناسب من يقابلهم بما يثري المعرفة لدى الطرفين.

تعتبر المرونة إحدى العوامل المهمة التي تساعد الطلاب على التأقلم في البيئات المختلفة، لذا وجب على الأهالي و المدرسين و الإدارات التعليمية الحفاظ على إكسابها للطلاب، من خلال الوسائل البسيطة التي يستطيعون تنفذيها في ممارستهم سواء لعملية التربية أو من خلال التعليم، حتى يكون المجتمع مرناً في تعاملاته يسهل على الجميع الاتصال و التواصل و الخطاب فيه بلا لبس و سوء فهم بينهم، فالوسطية و المرونة كما أسلفنا لا تكسر ولا تعصر بل نحافظ من خلالها على ذواتنا و نحفظ احترامنا بينما نحفظ احترام الآخرين.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.