دعم المواهب: كيف نكتشف الموهبة ونعززها


 

اولاً: دعم المواهب: ما هي الموهبة؟

تعتبر الموهبة منحة وهبة من الله عز و جل، يغرسها في كينونة الأشخاص، لتتشكل لديهم قدرات استثنائية أو غير عادية، بل واستعداد فطري للنمو العقلي المتسارع ، حيث يتفوقون بها على من هم في ذات أعمارهم أو أكبر ، لتتجلى صورتهم أمام مجتمعاتهم بأن عمرهم العقلي قد تجاوز العمر الزمني .



تتعلق الموهبة أحيانا بعوامل وراثية يكتسبها الفرد من عائلته، والتي هي الحاضنة الأولى له ، أو مكتسبة من خلال الاطلاع والتجريب و الممارسة، بحيث تصبح مهارة بالفطرة يسهل التعامل معها وتوظيفها من أجل الإبداع و إبراز النبوغ .

المواهب متعددة ولها أشكال و صنوف كثيرة، لكنها تأتي ضمن إطارين محددين فقد يبرز النبوغ العقلي، و قد تكون الموهبة جسدية، و تحت هذه الأطر تنبثق سلسلة لا حصر لها من أشكال المواهب و القدرات الاستثنائية، التي ظهرت ومازالت تظهر بين الحين والآخر في عالمنا قد تصل بنا حد الاستغراب، أيوجد بشر هكذا حقاً ؟


إن هذا البرعم الصغير الذي يهبه الله لمن شاء لا يجب أن يترك دونما عناية ورعاية خاصة، فإذا ما تركنا النبتة بلا سقاية تذبل وتجف أوراقها فتسوقها الرياح العابرة دون أن تترك لها أي أثر، لذلك وجب علينا أن نحتضن هذه الموهبة و نسعى جاهدين لتنميتها فنبقي أثرها ظاهراً حياً يسر كل من رآه و يبهره .

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا، كيف لنا أن نكتشف الموهبة و نميز الطفل الموهوب عن أقرانه ؟

 ثانياً: كيفية اكتشاف الموهبة


 

كيف لنا أن نكتشف الموهبة و نميز الطفل الموهوب عن أقرانه ؟

تعتبر هذه المهمة هي أولى المهمات التي تصنع لنا موارداً بشرية مميزة على المدى البعيد، و من منطلق الحاضنة الأولى للأطفال ألا و هي الأسرة، فإن دورها المنوط بها يتشكل في البحث عن مكامن القوة لدى الأبناء و مساعدتهم في الارتقاء والنهوض بكل زاوية يتقنونها أو يميلون بالحب لها فيقربونهم منها أكثر، أو قد يكونوا شغوفين بممارسة أمر عملي أو رياضي لا بد من توفير سبل الدعم له معنوياً و مادياً، تلك هي القطرات الأولى التي تروى بها الموهبة من أجل تنميتها و تطويرها، إنها أمور قد يظن البعض بأنها تافهة لكنها ليست كذلك بل هي العلقة التي تتخلق فتنمو لتكتمل صورة الموهبة بأزهَ مظاهرها، فلا بد للأهل أن يعتنوا بكل تساؤلات أبنائهم و عدم إهمالها، فهي بالدرجة الأولى تساؤلات تدل على الرغبة في زيادة الوعي، و كلما ازدادت المعلومات و ازداد الوعي استطاع الطفل أن يدرك ما يدور من حوله في هذا العالم وتمكن من التعامل معه بسلاسة و اندماج تام .

ينطلق الطفل من حاضنته الأولى نحو المدرسة، التي تشكل أساساً رئيسيا لشخصية الطفل و تلعب دوراً هاما في حياته، فيقضي فيها ساعات طويلة إذ يكون في أمس الحاجة لتنويع مهام المدرسة و الخروج عن المألوف و الممارسات التقليدية المنهجية المتبعة، من خلال مدرسٍ يدرك احتياجات الأطفال في هذا العمر، فهو بمثابة الأب الثاني للطفل و يقع على عاتقه جزء كبير من صقل شخصيته، فلا بد أن يعمل المدرس على اكتشاف الأطفال الموهوبين في فصله من أجل السعي لتطوير قدراتهم ، إن الموهبة في هذا العمر قد تكون واضحة جلية لدى البعض و قد تكون خفية لدى البعض الآخر، لذا وجب على المدرس أن يقترب من الأطفال ليعرف أدق التفاصيل التي يحبون ما يساعده في الوصول إلى آلية يستطيع بها إخراج الموهبة الدفينة في أولئك الأطفال ، و قد يضفي جواً من المتعة في فصله من خلال تنظيم عدد من المسابقات بين الأطفال الموهوبين تشعرهم بالتميز عن أقرانهم، ما يجعلهم يحرصون أشد الحرص على مواصلة التعلم و الممارسة من أجل نيل المزيد من الإعجاب، وكل هذا يحد من التسرب المدرسي في المؤسسات التعليمية، و ما قد يساهم أيضاً في تشجيع الأطفال منحهم جوائز رمزية تقديراً لعملهم الدؤوب و امتيازهم عن غيرهم، تحفيزاً لهم بمواصلة بذل الجهد و التدريب أكثر .

إن المدرس جزء من كل ، والوقت الذي يقضيه الطفل داخل أسوار المدرسة طويل كما أسلفنا ، فلا تقتصر المهمة فقط على مدرس الفصل، إنما تتجاوز ذلك لتشمل الإدارة المدرسية التي يجب أن تتابع مع المدرسين مواهب الأطفال و تخصص لهم أوقاتاً لا منهجية تضفي المزيد من الوعي، كالأنشطة الثقافية و العلمية أو تلك التي تخلق جواً من السعادة كالأنشطة الرياضية و الموسيقية ، فالمدرسة التي تحتضن عدداً من الأطفال الموهوبين في شتى المجالات، كان لزاماً عليها أن تنظم بينهم المسابقات عبر تلك الأنشطة اللامنهجية في محاولة لتطوير قدراتهم، و تكريم الفائزين و إشعارهم بتميزهم ففي ذلك دعوة لأولاك الأطفال الموهوبين ورسالة تستحث فيهم السعي و الاجتهاد أكثر فأكثر للوصول إلى مراتب أفضل، و وجب التنويه هنا بأن التكريم لا يقتصر على الفائزين فقط، بل يجب أن يشمل الجميع بدرجات متفاوتة حتى يتمكن الخاسرون في هذه المرحلة من السعي للفوز لاحقا.

كثير من الدول اعتمدت طرقاً حديثة في التعليم جعلت نصيب الأسد فيها لوقت الأنشطة اللامنهجية خلال اليوم، فهم يريدون الوصول إلى عمق هذا الطالب أو ذاك، و من خلال ممارساته و تقييم أنشطته يولونه العناية، ذلك أن التعليم اليوم تجاوز حدود المناهج القائمة على الحفظ ما يدلل على أهمية اكتشاف مواهب الأطفال و تعزيزها من اجل الارتقاء بهم .

و لنا في أنظمة تعزيز المواهب و أساليب الدراسة الحديثة مثالٌ يحتذى به، حقق نجاحاً في مدة زمنية قصيرة، ليصبح من أقوى أنظمة التعليم على مستوى العالم، إنها تجربة التعليم الفنلندية و التي تعتمد على ساعات دراسية أقل من نظيراتها في الدول الأخرى، بل و عزل الأساليب المنهجية التي اعتبرت بنظرهم لا تسمن ولا تغني من جوع للانطلاق صوب ركائز أساسية اعتبروها المحرك الرئيسي للطفل نحو النجاح، و يتمثل ذلك في ( التفكير الإبداعي ، الضمير الأخلاقي ، المهارات التواصلية ، و الموهبة الخاصة ) إن نجاح المدرسة الفنلندية و تحقيق طلابها أعلى مستويات التحصيل العلمي و الثقافي على مستوى العالم ناجم عن تركيزهم على القدرات الاستثنائية للطلاب و مواهبهم الخاصة، فكل منهم لديه جانب يستطيع إبرازه و الوصول من خلاله لمخاطبة العقول و إدراك العالم من حوله .

الدولة غير معفية أيضا من احتضان الموهبين، و عليها أن توفر فرصاً لهؤلاء النوابغ من أجل تطوير قدراتهم و توفير الدعم المادي و المعنوي لأنشطة تساهم في إنماء مواهبهم، و عقد مسابقات على مستوى الدولة تخلق جواً تنافسياً يساهم في تحفيز الموهوبين لتطوير قدراتهم و صقل مهاراتهم، من خلال التدريب أكثر .

ثالثاَ: انظمة تعزيز الموهبة ودعمها

 

إن المواهب تمر بمراحل متعددة منذ ظهور علاماتها الأولى، فيجب على من يجد في نفسه موهبة أن يبدأ مرحلة تأملية مع ذاته و يبحث في مكامن قدراته الخاصة حتى يتسنى له معرفة طبيعة الموهبة التي يمتلكها، ثم تأتي مرحلة الانتقال إلى عملية كسر الروتين و الممارسة العملية للموهبة و استشارة الآخرين و أخذ آرائهم، فالدعم المعنوي مهم في هذه المرحلة ليكون حافزاً للموهوب نحو التقدم أكثر في صقل موهبته .

الموهبة إذ تظهر بصورتها الأولى البسيطة، لا تحتاج لاختبارات دقيقة و بحث و تمحيص، و لكن ما أن تتطور و تصل مرتبة أعلى، فإن اعتمادها كموهبة بشكل رسمي يخضع لمقاييس علمية و اختبارات تجيز هذه الموهبة، من ناحية قدرة الفرد الاستثنائية على ممارستها و مدى مهارته بها، كاختبارات التفكير الفردي و الجمعي و اختبارات التحصيل و التفكير الابتكاري أيضاً، هذه المنظومة هي من تحدد أهلية الموهبة و تشهد بأن هناك قدرات استثنائية حقيقية يملكها الفرد.

و ما أن تُقَر الموهبة و تصبح واقعاً في كيان الشخص وجب علينا البحث عن أساليب تطويرها و تنميتها بشكل يرتقي بها نحو التميز أكثر و من ذلك أمثلة عديدة :

1 _ تقويم السلوك : قد يقع الموهوب أحياناً في أخطاء و ممارسات غير لائقة، ذلك لا يعني بأنه فاشل و غبي، و ينبغي تدارك الأمر من خلال النصح و الإرشاد دون التعنيف و إطلاق المصطلحات المهينة، حتى يتم تقويم سلوكه بالشكل المثالي

2 _ الأولوية : ينبغي إعطاء الأولوية لأكثر الأمور التي يحبها الموهوب و التي يمتلك شغفاً لممارستها، و عدم تشتيته بين عدد من قدرات يمتلكها لكنه لا يفضل ممارستها .

3 _ اللقب التحفيزي : يجدر الإشارة هنا أن الجميع يحب أن ينادى بالاسم الذي يحبه، و من أجل ذلك وجب إطلاق اسم غير تقليدي يناسب الموهبة للشخص مما يحفزه على ممارسة الموهبة أكثر، كأن نقول هذا ( الشاعر الصغير ) أو ذاك ( الصبي الفهيم ) أو ( المبدع ) و ما إلى ذلك من ألقاب مستحسنة و مستحبة من الأطفال .


4 _ العلم و التعلم : إن لم تصقل الموهبة بالعلم و المفاهيم التي تزيد من الوعي و الإدراك فإنها تذهب أدراج الرياح، فالواجب أن يتم تأهيل الموهوبين بشكل علمي يرتقي لمستوى وعيهم الكبير .

5 _ المهارة : إذا توفرت الموهبة حقاً و تم المران عليها بشكل متواصل، تنتقل لتصبح في طور المهارة التي يسهل على الموهوب التعامل معها و ممارستها كشرب الماءـ إن ذلك لا يتم إلا من خلال تطوير الممارسة و تكثيفها ما يزيد القدرة على تنفيذ كل الأمور المتعلقة بها بسهولة .

6 _ سرد القصص : إن حكاية و قص القصص للموهوبين السابقين في ذات الإطار الذي يمتلكه الموهوب، يساهم في تعزيز الدافع لديه بأن يكون مثلهم ، فيشكل ذلك حافزاً له لتطوير مهارته و مقدرته على ممارسة الموهبة .

7 _ الاحتفاء بالموهوب : يعتبر المديح و الدعم المعنوي أهم ركيزة يُستند إليها، ما يخلق لديه نوعاً من الثقة بالنفس و حب الأشياء التي يفعلها، كذلك عرض موهبته على الآخرين من خلال أساليب متعددة لإظهار الجانب المشرق لديه، و توفير الحوافز المادية له التي تدعم الموهبة و تشجعه أكثر .

8 _ المقتنيات و الأدوات : لكل موهبة مقتنيات و أدوات متعددة تسهل على الفرد تطويرها و النمو بها أكثر، كأن يكون أديباً أو شاعراُ فيتم شراء الكتب له، أو أن يكون تكنولوجيا مبدعا فيتم شراء الأدوات اللازمة له لتنفيذ مهارته و ممارستها بشكل دائم .

تلك النقاط العامة تعتبر جزءاً يسيراً من أنظمة تعزيز الموهبة و دعمها، ولا بد لكل من رأى موهبة و أراد تعزيزها أكثر أن يبحث في سبل تطوير هذه الموهبة، و الأمور التي قد تساهم في نموها و إظهارها بأفضل صورها، و ما يتبادر إلى الذهن هنا بأن معظم من امتلكوا المواهب و ظهرت بصورة حقيقة قد كان لهم من يدعمهم في ممارستها و يحفزهم لأن يرتقوا بها أكثر، فذاك الطفل العبقري أنطوني ماكون تكلم اللاتينية و حفظ أشعار شكسبير و هو في الثانية من عمره، لكن و الده يقول : " ليس لدي ما أورثه لأنطوني و أنا لم أعلمه شيئا بل على العكس هو يصحح لي القواعد عندما أتحدث معه مما اضطرني إلى اقتناء الموسوعات للتحقق من صحة ما يقوله أنطوني لي " هذا الوالد لم يستطع تعليم ابنه، لكنه تابع معه خطوة بخطوة و تأكد من وجود الموهبة الحقيقية، ثم قام بتوفير الموسوعات الأدبية لابنه و التي تنمي قدرته و تجعله أكثر إلماماً بما يقول ، و لكن على الموهوبين أيضا الأخذ بعين الاعتبار بأن هناك نماذج لم تحصل على الدعم المطلوب، فالثقة بالنفس و الإصرار على الممارسة جعلتهم يتفوقون على نظرائهم من أصحاب ذات الموهبة بشكل كبير، فلا يجب أن يكون موضوع الدعم و تعزيز الموهبة حائلاً بين الموهوب و إصراره على تحقيق أحلامه .

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.